كاظم الساهر.. الشاعر الذي يطل من شرفة الغناء!

كاظم الساهر.. الشاعر الذي يطل من شرفة الغناء!

قد يكون مدهشاً لكثيرين، معرفة أن المطرب كاظم الساهر، ينظم الشعر ويقرضه، وأن محاولاته في كتابة الشعر تماشت مع موهبته الموسيقية والغنائية، منذ أن كان صغيراً، مغرماً بقصائد شاعره الأثير، نزار قباني (1923 – 1998).

الساهر وفي غير لقاء تلفزيوني، قال انه كتب الأغنية، في الوقت ذاته الذي كان يبحث فيه عن نفسه بين نغمات الموسيقى، وأن قصائد قباني أدبته وهذبته ومنحته خيالات واسعة، أسس بها مداميك مشروعه الفني، الذي بدأ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، حتى صار يُعرف بـ"القيصر"، شاغلاً الناس بفنه: موسيقاه، وأغنياته، وأشعاره.

تعود الجمهور على حالات: المغني، أو المغني/ الملحن، لكن حالة المغني/ الملحن/ الشاعر، ظلت شحيحة، فلم يبرز على سطح الساحة الفنية من أمثال هؤلاء، إلا قلة، من بينهم أبو بكر سالم (1939 – 2017)، ومروان خوري، وخالد عبد الرحمن، ومصطفى كامل، على اختلاف توجهاتهم الفنية، ومعهم كاظم الساهر، الذي أسس مشروعه الفني، مرتكزاً على عدة تحولات.

بدأ الساهر بالأغنية الشعبية العراقية التي عرفها الناس منه، مغنياً وملحناً، وبعد أن دلفَ الشهرة العربية، معتمداً على موسيقاه، وقريحه الشعراء: (كريم العراقي، عزيز الرسام، أسعد الغريري، وغيرهم) الذين قدموا له خلاصة أحاسيسهم في النصوص الغنائية، جرب أن يغني من نصوصه كشاعر غنائي، فكان يقدم أغنية واحدة في كل ألبومين غنائيين، قبل أن يكون التحول الكبير، منتصف التسعينيات، عندما بدأ بفرض ذوقه الموسيقي المتعلق بتقديم القصائد الفصحى، إذ طرق باب القصيدة عام 1994 من خلال "اختاري/ نزار قباني"، وبعد نجاح التجربة، كررها في ألبوم "في مدرسة الحب" عام 1996، بقصيدتي قباني "علمني حبك" و"زيديني عشقاً"، ليكرس نفسه مطرباً للقصائد الفصحى في ألبوم "أنا وليلى" عام 1998، بقصيدتي "ليلى/ حسن المرواني" و"أشهد/ قباني"، ولم يكن في أرشيفه الخاص حينذاك سوى خمسة قصائد مغناة.

في سنوات الألفية الجديدة، وانطلاقاً من ألبوم "حبيبتي والمطر"، الذي أصدره نهاية العام 1999، متضمناً تسع أغان، منها سبعٌ كانت بالفصحى من كلمات نزار قباني، وهو الألبوم الذي اعتبره الساهر تكريماً لقباني الذي رحل عن الدنيا قبل عام من صدوره، ركز الساهر على "القصيدة/ الأغنية"، لتثبيت مداميك مشروعه الفني، وأبحر أعمق في دهاليز القصائد الفصيحة المغناة، وعلى هامش حضور قباني الدائم في ألبوماته، قدم قصائد فصيحة لشعراء آخرين، مثل: (فاروق جويدة، مانع سعيد العتيبة، محمد بن راشد آل مكتوم، كريم العراقي، وآخرين)، فصار يعرف بمطرب القصيدة، في وقتٍ أحجم فيه مغنون كثر عن تقديم "القصيدة/ الأغنية"، خشيةَ مقارنتهم بعرّاب المشروع، حتى صار الجمهور والنقاد والإعلاميون، يدركون أن الأغاني الشعبية التي يقدمها الساهر في ألبوماته، وإن تعددت لهجاتها: بيضاء، مصرية، خليجية وعراقية، على عذوبتها، من كلمات شعراء كثر من بينها أغان كتبها الساهر بنفسه، مثل: "البنية، أم الشيلة، أغازلك، لا تتنهد، إنسَ العالم، اضحك، حب، منو إنت، ظلي زيدي، وغيرها"، هي بمثابة تكملة لقائمة أغاني أي ألبوم يقدمه الساهر، الذي يرى في القصيدة، العمود الفقري لمشروعه الفني.

بعد انحسار دور شركات الإنتاج وتراجعها، وطغيان منصات التواصل الاجتماعي، في الأعوام الـ 15 الأخيرة، لم يُصدر للساهر سوى ألبومين، هما: "لا تزيديه لوعة/ روتانا 2011"، و"كتاب الحب/ بلاتينيوم 2016"، وخلال كل هذه السنوات، كانت الأغنية "السنجل" والحفلات، هما متنفس الساهر في إصدار أعماله الجديدة، التي كانت معظمها: قصائد من أرشيف نزار قباني، والقليل من أشعار رفيق رحلته، كريم العراقي (1955 – 2023)، وغالبيتها كانت من نظم الساهر نفسه.

ظل الساهر يعوض جمهوره، في كل موسم جديد من حفلاته، بأغنيات شعبية خفيفة الظل، من كلماته هو، حتى صار الجمهور يترقب كلَّ جديدٍ له: "كلماته، وألحانه، وغنائه"، مع كل حفل جديد، فشهدت السنوات الأخيرة، ولادة أغنيات: "يجي الليل، كله كذب، دكتورة، أه وآهين، وغيرها".

لكن جائحة كورونا، التي أجبرت الناس على المكوث في بيوتهم، كانت ذا تأثير إيجابي على الساهر/ الشاعر، فعدا عن تحضيره لأعماله الغنائية المعتادة، فاجأ الساهر الجمهور، بتقديم قصيدة "الحياة" التي تبلغ مدتها 14 دقيقة، من كلماته وألحانه وغنائه، وهي المرة الأولى التي يغني فيها الساهر من كلماته نصاً فصيحاً، تناول فيها حياة الناس بتعرجاتها ومنعطفاتها، وبكل ما تخبئ من تقلبات وأوجاع وتصدعات، فجاءت "القصيدة/ الأغنية" مليئة بالشجن والعذابات مع فسحة من الأمل، لخص بها الساهر الحياة بصور وتعابير، كشفت عن شاعرية عميقة وفكر فلسفي.

أما في ثاني تجاربه مع "القصيدة/ الأغنية"، ظهر عمق الساهر الفلسفي والمعرفي في قصيدة "يا قلب"، وهي واحدة من 13 قصيدة فصحى، سترى النور في ألبومه الجديد، "كاظم.. مع الحب" الذي سيصدر بعد أيام في عيد الفالنتاين، واللافت أنها من كلماته وألحانه وغنائه، حيث يخدم كاظم الشاعر، كاظم الملحن، وكاظم المغني، بقصيدة عميقة المعنى والفكرة والإلهام، ما يفيد بأن المطرب الذي اختار أن تكون القصائد الفصحى مشروعه الفني، أجاد في بلورة أفكاره إلى كلمات، وأخرج حماقات واضطرابات وبراءة المراهقين العشاق، في أغنية متكاملة العناصر، لكنها تشير إلى مشروع شاعر فصيح لا يُشق له غبار.

اليوم.. جمهور كاظم الساهر، بعد أن أيقنوا أن مطربهم الأثير، ضليع في كتابة "القصيدة/ الأغنية" الفصحى، سيطالبونه في القريب العاجل، بتقديم ألبوم كامل من نظمه وفكره وروحه، كشاعر وملحن ومغنٍّ.. أليس هو من يقول: لأني أحبكم.. أغني؟